عبد الكريم الخطيب

1088

التفسير القرآنى للقرآن

والباء في « بِأَنَّ » « للسببية » . . والمعنى : أن مقابلة العدوان بالعدوان ، هو لدفع بأس الناس بعضهم عن بعض ، الذي لولاه لفسد نظام المجتمع ، ولتسلّط الأشرار على الأخيار ، كما يقول سبحانه وتعالى : « وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً » ( 40 : الحج ) والآية ردّ على تلك الفلسفة المريضة ، التي ترى في مثل هذا الدّفع إكثارا من إراقة الدماء ، وإغزاء للناس بالانتقام ، الذي يولد كثيرا من مواليد الشر والنقمة ويرون أن المثالية تدعو إلى الأخذ بدعوة السيد المسيح - عليه السلام - في قوله : « من ضربك على خدّك الأيمن فأدر له خدّك الأيسر » . . ففي قوله تعالى : « ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ » ردّ على هذا التفكير السقيم ، ودحض لتلك الفلسفة المريضة ، وذلك بالإشارة إلى نظام الوجود ، وأنه قائم على التدافع بين الخير والشر ، والشرّ والخير ، تماما كما يدفع الليل النهار ، ويدفع النهار الليل . . فلو أنه سكن النهار إلى دفع اللّيل له ، ولم يدفعه كما دفعه لما طلع نهار أبدا ، ولاختفى إلى يوم القيامة ، ولساد الدنيا ظلام دامس إلى الأبد . فمن سنّة اللّه في الحياة أن يغرى الأشرار بالأخيار ، فتنة وابتلاء ، ثم لا يدع الأخيار لأيديهم ، بل يدعوهم إلى أن يأخذوا بحقّهم منهم ، وأن يدفعوهم عنهم ، حتى يسفر وجههم ، ويبرز وجودهم . . قوله تعالى : « ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ » .